أسباب اندلاع المظاهرات ضد هيئة “تحرير الشام” في إدلب

شهدت مدن عديدة في ريف إدلب وريف حلب مظاهرات مناهضة لـ “هيئة تحرير الشام” خلال اليومين الماضيين، بعد مضي 24 ساعة فقط على إعلان وقف إطلاق النار وتوقف العمليات العسكرية، حيث استغل مئات المتظاهرين حالة الهدوء وغياب الطيران الحربي، وخرجوا إلى الساحات العامة منادين بإسقاط نظام الأسد وهيئة تحرير الشام.

وبحسب تحقيق أجراه موقع تلفزيون سوريا فإن أسباباً عديدة مباشرة وغير مباشرة، دفعت المتظاهرين للنزول إلى الشارع في عدة مدن في إدلب وحلب، بعضها متعلق بأداء “هيئة تحرير الشام” خلال المعارك الأخيرة مع قوات النظام، وبعضها الآخر ذو صلة بالأوضاع المعاشية والاقتصادية.

احتكار الموارد وفرض الضرائب

تحتكر هيئة تحرير الشام سواء عن طريق الذارع الاقتصادي التابع لها أو الذراع المدني (حكومة الإنقاذ) الموارد في شمال سوريا، ويقدر دخلها الشهري بقرابة 7.5 ملايين دولار أمريكي، إلا أنه لا يتم توظيف هذه العائدات والأموال في تحسين الواقع الخدمي أو مواجهة الكوارث الإنسانية.

وبعد سيطرة الهيئة على معبر باب الهوى في تموز 2017، ثم معبر الغزاوية قرب دارة عزة في شهر كانون الثاني 2019، قامت باحتكار توريد وتجارة العديد من السلع التي تدر عليها أرباحاً شهرية عالية.

وتبلغ عائدات هيئة تحرير الشام من الرسوم التي تفرضها على البضائع المستوردة عن طريق باب الهوى قرابة 2.5 مليون دولار شهرياً، حيث يتم تحصيل مبالغ مالية على البضائع بحسب نوعها وبحسب حجم الشاحنات التي تحملها.

وتحتكر الهيئة عبر منشآتها الاقتصادية تجارة مواد: الموز – الفروج – السكر – مشروبات غازية، التي تصل مرابحها الشهرية إلى 700 ألف دولار أمريكي، بالإضافة إلى احتكار تجارة واستيراد المعادن والخردوات التي تدر عليها عائدات شهرية تبلغ 600 ألف دولاراً أمريكياً.

 شركة “وتد” التي أسسها قيادي في الهيئة يدعى “أبو عبد الرحمن الزربة”، وضعت يدها على استيراد المحروقات الأوروبية التي تدخل إلى سوريا عن طريق معبر باب الهوى، وتحقق أرباحاً صافية تبلغ 250 ألف دولار من تجارة المازوت والبنزين، و400 ألف دولار عائدات مادة الغاز.

وتجني حكومة الإنقاذ الذراع المدنية لهيئة تحرير الشام أموالاً تصل إلى 400 ألف دولار شهرياً كقيمة اشتراكات لحصول السكان على الكهرباء، حيث رفعت سعر الأمبير الواحد إلى 4.5 دولارات، وهو ضعف سعره الذي كان عليه قبيل هيمنة الحكومة على كامل المدن والبلدات في إدلب وريف حماة وريف حلب.

وهيمنت هيئة تحرير الشام على سوق الصرافة والحوالات عن طريق المؤسسة العامة لإدارة النقد، كما أسست عدة شركات صرافة بعضها يقبل تلقي الودائع ويستثمرها في التجارة، وتقدر عائدات هذا القطاع شهرياً بما في ذلك الاستثمارات المختلفة التي يراعها بأكثر من مليون دولار.

وتفرض حكومة الإنقاذ الضرائب والإتاوات على عمليات بيع وشراء العقارات من أجل تسجيلها في السجلات العقارية بمختلف المناطق، كما تحصل إيجارات شهرية من عقارات الوقف والتابعة للبلديات تصل إلى 150 ألف دولار شهرياً، وبحسب الأرقام التقديرية فإن المدخول الذي تحققه عن طريق العقارات ورسومها يصل إلى 500 ألف دولار شهرياً.

وسبق أن أنشأت هيئة تحرير الشام معبراً في منطقة “العيس” جنوب حلب، لتسهيل التبادل التجاري مع مناطق سيطرة النظام، وتقوم بفرض رسوم على جميع الحمولات التي تمر من هذا المعبر، وبمبلغ إجمالي يصل شهرياً إلى 200 ألف دولار.

وتحقق الهيئة عائدات تزيد على 500 ألف دولار شهرياً من موارد مختلفة أبرزها رسوم القضاء، والأسواق الشعبية، وتسهيل تهريب الأشخاص إلى الأراضي التركية على اعتبار أنها وضعت يدها على كامل الشريط الحدودي في إدلب، والمعابر التي تصل ريف حلب بمنطقة عفرين.

أحد أعيان مدينة سراقب (طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية) أكد لموقع تلفزيون سوريا أن قيمة ما تجنيه هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ شهرياً من مدينة سراقب كضرائب ورسوم مختلفة يتجاوز 50 ألف دولار أمريكي، دون أن يكون هناك تحسينات لواقع الخدمات مقابل هذه الرسوم، كما أن رفع قيمة الاشتراك في الكهرباء بشكل متزايد أدى إلى حالة احتقان شعبي.

عدم مساندة النازحين

بلغ عدد النازحين باتجاه الحدود السورية – التركية قرابة مليون نازح، جميعهم فروا من قصف مدنهم وبلداتهم جنوب إدلب وشمال حماة، ومع ذلك لم تسجل أي مساهمة أو مبادرة تذكر من “إدارة شؤون المهجرين” التابعة لحكومة الإنقاذ من أجل مساعدة النازحين، بل على العكس من ذلك فقد تدخلت بشكل سلبي لتحصيل رسوم أو ضرائب من بعض العائلات التي أنشأت خياماً لها في أراضٍ زراعية، بحجة أن تلك الأراضي أملاك عامة.

وتجبي “إدارة شؤون المهجرين” رسوماً من النازحين في مناطق عديدة مثل قاح وسرمدا ودير حسان بريف إدلب، بحجة أنهم يقيمون الخيام على أراضي أملاك عامة، كما تستحوذ على مبلغ معيَّن من الأموال التي تقدمها المنظمات للنازحين، بنسبة تصل إلى 18% من المبلغ الذي يتم توزيعه على النازح الواحد.

كما وتتدخل الإدارة في توزيع المساعدات العينية بما يخدم أجندتها وتبعيتها، وتضع يدها على كمية من تلك المساعدات التي تقدمها المنظمات على شكل سلل غذائية تحتوي على بعض المواد الأولية الصالحة للطعام.

أسباب عسكرية

تسود حالة من السخط العام في الأوساط الشعبية بمحافظة إدلب على أداء هيئة تحرير الشام العسكري خلال الحملة الأخيرة التي قادتها روسيا على المنطقة، حيث لم تتمكن الهيئة من الدفاع عن المناطق التي أفرغتها في وقت سابق من فصائلها المحلية.

سقوط قلعة المضيق وأجزاء واسعة من سهل الغاب بريف حماة في بداية الحملة العسكرية، جاء بعد مضي عدة أشهر فقط على دخول “هيئة تحرير الشام” بقوة السلاح إلى المنطقة وإرغام فصيل أحرار الشام فرع ريف حماة، وكتائب تتبع لجيش النصر على حل أنفسهم بالإكراه، الأمر الذي دفع بمئات المقاتلين لمغادرة قراهم وبلداتهم باتجاه منطقة “عفرين” بسبب خشيتهم من ردود أفعال انتقامية بعد أن استولت الهيئة على مواقعهم في شهر كانون الثاني 2019.

وتحملت فصائل الجبهة الوطنية للتحرير وجيش العزة المحسوبين على معسكر الجيش السوري الحر عبئاً كبيراً في مواجهة الحملة الروسية الأخيرة، في حين لم تزج الهيئة بأكثر من 30% من إمكانياتها العسكرية على أبعد تقدير، الأمر الذي دفع الجيش السوري الحر للاستعانة بفصائل “الجيش الوطني السوري” والتي شارك بعضها في المواجهات أمثال فيلق المجد والجبهة الشامية وتجمع أحرار الشرقية وجيش الشرقية.

ولم تكتفِ هيئة تحرير الشام بعدم الدفع بثقلها العسكري في المعارك، وإنما عارضت فتح المجال الواسع لمشاركة فصائل الجيش الوطني السوري بالدخول إلى ريف حماة وجنوب إدلب قبيل سقوط خان شيخون، ووضعت شروطاً قاسية متعلقة بمنع فصائل معينة من المشاركة في المعارك كجيش الإسلام وفرقة السلطان مراد وفرقة الحمزة، كما حددت ضوابط على إدخال السلاح الثقيل من شمال حلب إلى جنوب إدلب.

أسباب سياسية

عند الحديث عن أسباب المظاهرات الأخيرة ضد هيئة تحرير الشام فلا يمكن إغفال الأسباب السياسية، خاصة أن منظمي التظاهرات هم في الغالب من شخصيات المجتمع المدني، والناشطين السياسيين الذين يعتقدون أن هيمنة هيئة تحرير الشام على محافظة إدلب قد سمحت لروسيا بخلق الذرائع لنقض اتفاقها مع تركيا حول المنطقة.

وتلقى الناشطون بانزعاج معلومات تؤكد رفض العديد من الدول الأوروبية التدخل سياسياً أو إنسانياً لمواجهة الكارثة الإنسانية في إدلب، وذلك بسبب خوف حكومات تلك الدول من أن تستغل المعارضة في بلادهم الأمر لصالحها واتهامها بدعم “الإرهاب”.

وأكد مصدر في “منسقو الاستجابة” لموقع تلفزيون سوريا أن الاستجابة الدولية وخاصة الأوروبية للأزمة الإنسانية الحاصلة في إدلب ضعيفة للغاية بل شبه معدومة، وأن المنظمات الإنسانية عملت طيلة الفترة الماضية على مساعدة النازحين من المواد المتوفرة ضمن مستودعاتها ومخزنة بشكل مسبق لمواجهة حالات الطوارئ.

واشترطت دول الاتحاد الأوروبي على الدول الفاعلة بالملف السوري أن يتم إيجاد حل لمسألة هيمنة هيئة تحرير الشام وحكومتها على المنطقة، حتى يتسنى لتلك الدول الضغط سياسياً وإنسانياً على روسيا.

ولا تشير الطريقة التي تعاملت بها هيئة تحرير الشام مع المظاهرات على أنها  تتجه لاتخاذ إجراءات من شأنها التخفيف من الاحتقان الشعبي، أو الاستجابة لمطالب المتظاهرين، حيث دفعت بعناصرها للنزول إلى ساحات مدينتي أريحا وإدلب، ورفعوا راياتها وهتفوا نُصرةً لزعيمها، بالتزامن مع هجوم حادٍ لوسائل الإعلام المقربة منها على من ينسق ويشارك في المظاهرات.

مصدر تلفزيون سوريا