الوجود السوري في تركيا إلى أين؟

يمان نعمة – عربي21

ربما لم تثر ضجة إعلامية حول اللاجئين السوريين منذ دخولهم الأراضي التركية، كما أثاره تطبيق الإجراءات على المخالفين لنظام الحماية المؤقتة، المتعلقة بالوثائق القانونية (بطاقة التعريف وإذن العمل وترخيص المحال التجارية) في إسطنبول، حيث بات السؤال المطروح حاليا يدور عن مستقبلهم، في ظل عدم وجود مؤشرات جدية على أن هناك حلا سياسيا للملف السوري في المدى المنظور.

وعلى مدار الأعوام الثمانية الأخيرة، فتحت تركيا أبوابها للاجئين السوريين، لتستقبل ما يزيد على 4 ملايين لاجئ بنسبة 63.4 من إجمالي عدد اللاجئين السوريين في العالم، ليشكلوا بذلك واحدا من أكثر الملفات الإشكالية في البلاد.

وفي هذا الصدد، قال الكاتب الصحفي التركي، إسماعيل باشا، إن “تركيا فتحت حدودها على مصراعيها أمام تدفق السوريين الهاربين من مجازر قوات النظام والمليشيات الطائفية، وحاولت أن تتعاطى مع ملف اللاجئين في إطار الأخوة المبنية على مبدأ الأنصار والمهاجرين، إلا أن الأيام أظهرت أن هذه السياسة لم تكن واقعية، ومهما كانت أهدافها نبيلة، فإنها اصطدمت بالحقائق الاجتماعية التي أكدت أن الأتراك ليسوا كلهم يؤمنون بتلك الأخوة وذاك المبدأ”.

وأضاف في مقال خص به “عربي21“، أن “المجتمع التركي لم يكن مستعدا لاستقبال هذا العدد الهائل من اللاجئين دفعة واحدة، كما أن مدى تقبل السكان لاستضافة اللاجئين يختلف من منطقة إلى أخرى. فهناك مناطق نسبة التفهم لدى سكانها لظروف اللاجئين والتعاطف معهم أعلى مما لدى سكان مناطق أخرى. وكان من الأفضل أن تتجنب الحكومة التركية قدر الإمكان استضافة اللاجئين في تلك المناطق التي لا يرغب معظم سكانها في احتضان اللاجئين”.

ووسط كل ذلك، بات السؤال: هل ما يجري من “تضييق” على السوريين هو بمثابة “سحابة صيف” وتمضي؟ أم  تغيرا في المزاج العام التركي، الذي يبدو كأنه يتحول -شيئا فشيئا- إلى مزاج مشحون ضد الوجود السوري؟

الحكومة التركية تطمئن

من جانبها، وجهت الحكومة التركية رسائل مطمئنة حول الوجود السوري في تركيا، حيث حصر وزير الداخلية التركي سليمان صويلو المشكلة في المهاجرين غير النظاميين، وليست بشريحة المهاجرين النظاميين والمقيمين الحاصلين على هويات إقامة.

وبعد أن أكد أن اسطنبول تحتضن ما يزيد على نصف مليون سوري يحملون أوراقا نظامية، قال: “لا نعاني مشاكل مع هذه الشريحة، إنما المشكلة مع المهاجرين غير النظاميين الذين يعيشون في إسطنبول وباقي المدن التركية، والذين لديهم قيود في ولايات أخرى، ويعيشون في إسطنبول”.

Advertisements

ولفت صويلو، في لقاء تلفزيوني، الأربعاء، إلى أن قوات الأمن التركية تضبط يوميا نحو 600 مهاجر غير نظامي في مدينة إسطنبول، مشددا على أنه “لم يتم ترحيل أي سوري يخضع للحماية المؤقتة إلى بلاده، وأن الذين لا يخضعون للحماية المؤقتة، يتم إرسالهم إلى المخيمات”.

وكانت ولاية إسطنبول أمهلت السوريين المقيمين فيها بشكل غير قانوني حتى 20 آب/ أغسطس القادم للمغادرة، وإلا فسيتم ترحيلهم إلى مخيمات خاصة.

وفي سياق متصل، أعلنت تركيا عن تشكيل لجنة مع “الائتلاف” المعارض لبحث أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا، خاصة في مدينة إسطنبول.

ووفق وكالة “الأناضول”، فإن اللجنة المشتركة بين الطرفين ستكون برئاسة نائب وزير الداخلية التركي إسماعيل تشاطقلي، ورئيس الائتلاف أنس العبدة.

Advertisements

وبحسب بيان صادر عن الائتلاف، وصل لـ”عربي21“، فإن “الهدف من اللجنة أن يكون هناك صوت واحد للسوريين، ورسالة واحدة تصل بشكل مباشر للمعنيين في الحكومة التركية، إضافة إلى تنسيق العمل والوصول إلى الحلول المناسبة لقضايا اللاجئين والمقيمين السوريين في تركيا”.

وفي السياق ذاته، كشف رئيس “هيئة التفاوض” نصر الحريري، عن سعي الهيئة مع الجانب التركي لصيغة من أجل حل لمعضلة السوريين، سيتم إطلاقها في الأيام المقبلة، لمعالجة أوضاع اللاجئين هناك، مؤكدا أن “هؤلاء اللاجئين لم يغادروا بلادهم عن طيب خاطر، وإنما بالقهر والتعذيب والقتل”.

وأضاف في مؤتمر صحفي، أن “من حق كل دولة أن تنفذ قانونها، وقلنا لهم إننا مستعدون للتعاون معهم لإيجاد آلية تحفظ حقوق اللاجئين في تركيا وتراعي القانون التركي، ويمكن للجميع الحصول على الهوية أو البطاقة الخاصة باللاجئين، سواء أكانت إقامة مؤقتة، أو كانت إقامة سياحية”.

ولفت إلى أن عدد اللاجئين تجاوز 4 ملايين لاجئ، “ولا نشكك في أن اللاجئين في بعض الدول يعتبرون عبئا عليها، ولا نجحد المساهمات الكبيرة التي قام بها اللاجئون على كل المستويات، الاجتماعية والاقتصادية”.

“تهويل إعلامي”

من جانبه، انتقد مدير منظمة “هيئة الإغاثة الإنسانية” في مدينة نزيب التركية، جلال دامير، خلال حديثه لـ”عربي21“، طريقة التعاطي الإعلامية للإجراءات القانونية بحق المخالفين من اللاجئين السوريين، في إسطنبول وغيرها.

وقال المسؤول التركي، إن بعض وسائل الإعلام العربية “ضخّمت الإجراءات، علما بأنها إجراءات طبيعية ومعتادة، حيث لم يتوقف الترحيل للمخالفين، خصوصا للذين يجعلون من تركيا محطة للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا”.

ورأى دامير أن من الطبيعي أن تقوم تركيا، كما تفعل كل دول العالم، بفرض قوانينها على اللاجئين، وعلق بقوله: “لا توجد دولة في العالم تستقبل لاجئين من دون أن تسجلهم وتوثق مكان تواجدهم”، مستدركا: “لكن الشيء الوحيد الذي نعترض عليه ولا نوافقه، هو ترحيل اللاجئين”.

وبسؤاله عن مستقبل اللاجئين السوريين في تركيا، قال: “لم أسمع من المسؤولين الأتراك تصريحا معاديا للسوريين بتركيا، بل العكس، هم مكان تقدير واحترام”.

وعدّ دامير القلق الذي يظهر على كثير من السوريين، بـ”الشعور غير المبرر”، معتبرا أن التخوف بدأ مع التهويل الذي صاحب تطبيق الإجراءات.

وأضاف أن ما يجري هو تطبيق لإجراءات تنظيمية اعتيادية، فرضتها الأوضاع الأمنية التي تسود تركيا، وهي إجراءات تستهدف أمن المجتمع التركي بشكل عام، وأمن الأجانب أيضا.

وشدد في هذا الخصوص بقوله: “ليس من تغييرات في السياسة التركية تجاه الوجود السوري”.

“الأزمة إلى انتهاء”

وكما هو واضح للكاتب الصحفي التركي عبدالله سليمان أوغلو، فإن تطبيق الإجراءات على اللاجئين السوريين يبدو أكثر ليونة مع كل يوم جديد.

وأوضح لـ”عربي21” أن الداخلية التركية “أوقفت تماما الترحيل إلى الشمال السوري”، وذلك بعد أن تم ترحيل عدد غير معروف من اللاجئين المخالفين إلى الشمال السوري (إدلب، وريف حلب الشمالي).

وحول أسباب وموجبات الإجراءات الجديدة، اعتبر أوغلو أن السلطات التركية تسعى إلى تهدئة الشارع التركي، الذي تلقى مؤخرا قدرا كبيرا من التجييش والعنصرية من قبل أطراف المعارضة التركية، الأمر الذي انعكس على نتائج الانتخابات البلدية في المدن الكبرى.

وقال إن “الحكومة تحاول امتصاص غضب الشارع التركي”، مستدركا: “لكن في قادم الأيام، ستكون حدة تطبيق الإجراءات أخف وطأة، مع البحث عن حلول”.

السوريون في تركيا إلى أين؟

وردا على سؤال عن مستقبل الوجود السوري، قال الكاتب الصحفي التركي: “لا نستطيع القول بأن الوجود السوري في تركيا بات مهددا، كما لا نستطيع القول إنه بات مستقرا”.

وأضاف أوغلو أنه “من الواضح أن الحكومة التركية تبنت مؤخرا استراتيجية التشجيع على العودة الطوعية إلى مناطق الشمال السوري، لا سيما منطقتي “درع الفرات، وغصن الزيتون”، إلى جانب المنطقة المرتقبة في شرق نهر الفرات.

وبالمقابل، أشار إلى استمرار الحكومة التركية في تجنيس السوريين، مؤكدا استمرار العمل بملفات التجنيس القديمة، وكذلك طلب ملفات جديدة.

وبحسب أرقام حكومية تركية، فإن عدد اللاجئين السورين الذين حصلوا على الجنسية التركية حتى مطلع العام الحالي، بلغ 76 ألفا و433.